أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

185

التوحيد

قال أبو منصور رحمه اللّه : وليس هذا تقدير السؤال ، ولكن بما ليس معنى خلق الجسم إلا خروجه من العدم ووجوده بعد أن لم يكن ، وبه وصفتم أنفسكم في فعل الأعراض ، كيف لا جاز الوصف بخلق الجسم وليس ثمة غير ، ولا قوة إلّا باللّه . فأجاب بالفعل ، وذلك فاسد ؛ لأنّا لم نحقق لنا في فعلنا الوجه الذي هو وجه وجود الجسم وكونه ليلزمنا ذلك ، وهم قد حققوا فيلزمهم ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم قال : إذ ليس فعل زيد سوى فعل بقدرة ، وأنتم تفعلون بها ، كيف فعلتم فعل زيد ؟ قيل : لأن زيدا لا يقدرنا على فعله ، فلم يفعل ، واللّه قد أقدركم على المعنى الذي به كان الجسم ، فلزمكم ما قابلناكم به ، ولا قوة إلّا باللّه . قال : واحتج بالكاتب والمصوّر إنه لو أراد أن يخرج الثاني على ما عليه الأول لم يمكنه ، دلّ أن الأول لم يخرج على ذلك به ، فزعم أولا أنه يجوز أن يكون كذلك ما ألقاه اللّه فيه تلك القدرة . فإن قيل : لم لا يأتي بمثله ؟ فأجاب بأنّا وإن كنا نفعل بتلك القدرة نفعله بأسباب لا تجتمع بكليتها حتى لا يخرج منها شيء من نحو الذهن والحفظ وأنواع الأشغال . قال : ولو وجب بهذا محدث آخر ليجب به مصوّر آخر . وعارض بالفعل : إنه لم يدل العجز على أنّا لم نفعل ، ولو كان العجز يدل على ما ذكروا كان الثاني إذا كان أحسن ، فدل أن الأول له . ثم عارض أنه ما يمنعه ؟ فقال : لأنّا نفعل بآلة وقدرة وعلاج وفكر ولا مستوى هذه ، ولو استوت أمكننا ذلك . فيقال له : الوجوه التي تمنعك هي فعلك أو لا ، فإن قال : لا ، أعظم القول إن علاجه وفكره ونحو ذلك اللّه ، وهو الذي أنكر خلق ذلك ، فقد أقرّ به . وإن قال : بلى ، قيل : السؤال عن ذلك كله أن القدرية زعمت أن اللّه لو أبقاها ، وقد أبقاها للفعل وكل ذلك أفعال لها القدرة عليها ، فما بالها لم تستو ، وقد قصدت أن تستوي ، وكانت لك القدرة ، فهذا يبيّن أنه على غير تقديرك تخرج . وما ذكر من المعنى هو الدليل الواضح أن قد يخرج أحسن من الأول وأسوأ على قصد الاستواء ، إن ذلك كان كذلك ؛ لأنه مع ما لا يبلغ علم أحد إلى تقدير حركته من الهواء والمكان ومن ارتفاع اليد وانخفاضها لو اجتهد كل الجهد ، والفعل لا يخلو عنه ، ثبت أنه لغيره من هذا الوجه ، ولا قوة إلّا باللّه . وعلى ذلك لا أحد يقصد قصدا بقبيح الفعل ، وقد يكون كذلك ، ثبت أنه من ذلك الوجه ليس له ، ولو جاز وقوع فعل من وجه لا يعلمه ولا يريده ، ولو اجتهد كل جهده ليعرف حده ومبلغه ويكون له على ما هو عليه ذلك الفعل لجاز مثله في جميع العالم وآيات الرسل وغيرها . والقول في المصوّر هو القول في الفاعل ، وفي الصورة هو القول في الفعل ، لا فرق بينهما .